محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ميسرة ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال : كنتم خير الناس للناس ، تجيئون بهم في السلاسل ، تدخلونهم في الإسلام . حدثنا عبيد بن أسباط ، قال : ثنا أبي ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية في قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال : خير الناس للناس . وقال آخرون : إنما قيل : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ قال : لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة ، فمن ثم قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وقال بعضهم : عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ قال : قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمة حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعد عن قتادة قال : كان الحسن يقول : نحن آخرها وأكرمها على الله . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن ، وذلك أن : يعقوب بن إبراهيم حدثني قال : ثنا ابن علية ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أبو حكيم ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أبو حكيم ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال : " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم ، وهو مسند ظهره إلى الكعبة : " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها " . وأما قوله : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ فإنه يعني : تأمرون بالإيمان بالله ورسوله ، والعمل بشرائعه ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني : وتنهون عن الشرك بالله ، وتكذيب رسوله ، وعن العمل بما نهى عنه . كما : حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يقول : تأمرونهم بالمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، والإقرار بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه ، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف ، وتنهونهم عن المنكر ، والمنكر : هو التكذيب ، وهو أنكر المنكر . وأصل المعروف : كل ما كان معروفا ففعله جميل مستحسن غير مستقبح في أهل الإيمان بالله . وإنما سميت طاعة الله معروفا ، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله . وأصل المنكر ما أنكره الله ، ورأوه قبيحا فعله ، ولذلك سميت معصية الله منكرا ، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها ، ويستعظمون ركوبها . وقوله : وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ يعني : تصدقون بالله ، فتخلصون له التوحيد والعبادة . فإن سأل سائل فقال : وكيف قيل : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وقد زعمت أن تأويل الآية أن هذه الأمة خير الأمم التي مضت ، وإنما يقال : كنتم خير أمة ، لقوم كانوا خيارا فتغيروا عما كانوا عليه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه ، وإنما معناه : أنتم خير أمة ، كما قيل : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ وقد قال في موضع آخر : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ فإدخال " كان " في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد ، لأن الكلام معروف معناه . ولو قال أيضا في ذلك قائل : كنتم بمعنى التمام ، كأن تأويله : خلقتم خير أمة ، أو وجدتم خير أمة ، كان معنى صحيحا ، وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك : كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ أخرجت للناس ، والقولان الأولان اللذان قلنا ، أشبه بمعنى الخبر الذي رويناه قبل . وقال آخرون معنى ذلك : كنتم خير أهل طريقة ، وقال : الأمة : الطريقة .